علي الهجويري

230

كشف المحجوب

في هذه الدنيا يلزمه أن يفر من نفسه قبل أن يصل إلى درجة السلوك الذي لا يكون حقيقيا إلا بمعونة الروح المقربة إلى اللّه بالمعرفة - لذلك فإن من عرفه في هذه الدنيا والتفت بوجهه عن كل شيء سواه ، سالكا صراطه المستقيم ، كان حقيقا بأن لا يرد النار ولا الصراط في يوم الحشر . وبالاختصار فإن روح المؤمن تدعوه إلى الجنة وهي نموذج لها في هذه الدنيا ، ونفسه تدعوه إلى النار وهي نموذج لها في هذه الدنيا ، لذلك كان من الواجب على طلاب الحق ألا يهملوا في مقاومة النفس الأمارة بالسوء حتى يكونوا بذلك معوانا للروح والفهم وهما بيتا السر الإلهى . ( فصل ) [ في طاعة النفس مخالفة الله ] أما ما قاله العارفون في هذا الموضوع المختص بالنفس فقد قال ذو النون المصري : « أشد الحجاب رؤية النفس وتدبيرها » . لأن طاعتها هي مخالفة للّه وذلك هو أصل كل الحجب قال أبو يزيد البسطامي : « النفس صفة لا تسكن إلا بالباطل » . أعنى أنها لا تطلب الحق ، قال محمد بن علي الترمذي « 1 » : « تريد أن تعرف الحق مع بقاء نفسك فيك ، ونفسك لا تعرف نفسها ، فكيف تعرف غيرها ؟ » . أي نفسك في حال بقائها محجوبة في نفسها فإذا حجبت بنفسها كيف تكاشف خالقها قال الجنيد : « أساس الكفر قيامك على مراد نفسك ، لأن النفس الدنيئة لا تتصل بحقيقة الإسلام ، وتجتهد أن تبعد عنها ومن التفت أنكر ومن أنكر أشرك » . قال أبو سليمان الدارنى : « أن النفس خائنة مانعة ، وأفضل الأعمال خلافها » . فهي خائنة في الأمانة ، ومانعة في طلب الرضاء فالخيانة في الأمانة غيريه وترك الرضاء فقدان . وأنفاسهم في هذا المعنى أكثر من أن تعد هنا . أرجع إلى مقصدنا الأصلي ، وهو أن نبين حقيقة

--> ( 1 ) محمد بن علي الترمذي : هو الحكيم الترمذي المولود في سنة 205 ه والمتوفى سنة 320 ه « انظر السلوك عند الحكيم الترمذي ومصادره من السنة النبوية . رسالة دكتوراه للدكتور احمد السائح . وقد حققنا كتابه ( ختم الأولياء ) نشر مكتبة الثقافة الدينية 2006 .